الشنقيطي
113
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي ، قال : السر فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة . وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه . وإذا قتل المحلون صيدا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محترمة ، بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة فإن كل واحد منهم قاتل دابة . ويشتركون في القيمة ، قال ابن العربي : وأبو حنيفة أقوى منا ، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا ، ا ه من القرطبي . * * * المسألة التاسعة : اعلم أن الصيد ينقسم إلى قسمين : قسم له مثل من النعم كبقرة الوحش ، وقسم لا مثل له من النعم كالعصافير . وجمهور العلماء يعتبرون المثلية بالمماثلة في الصورة والخلقة ، وخالف الإمام أبو حنيفة - رحمه اللّه تعالى - الجمهور ، فقال : إن المماثلة معنوية ، وهي القيمة ، أي قيمة الصيد في المكان الذي قتله فيه ، أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله ، فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء ، أو يشتري بها طعاما ، ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر . واحتج أبو حنيفة - رحمه اللّه - بأنه لو كان الشبه من طريق الخلقة والصورة معتبرا في النعمامة بدنة ، وفي الحمار بقرة ، وفي الظبي شاة ، لما أوقفه على عدلين يحكمان به ، لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر ، وإنما يفتقر إلى العدلين والنظر ما تشكل الحال فيه ، ويختلف فيه وجه النظر . ودليل الجمهور على أن المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد في الخلقة والصورة منها قوله تعالى : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [ المائدة : 95 ] الآية ، فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخلق الصوري دون المعنوي ، ثم قال : مِنَ النَّعَمِ فصرح ببيان جنس المثل ، ثم قال : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [ المائدة : 95 ] وضمير ( به ) راجع إلى المثل من النعم ، لأنه لم يتقدم ذكر لسواه حتى يرجع إليه الضمير . ثم قال هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [ المائدة : 95 ] والذي يتصور أن يكون هديا مثل المقتول من النعم ، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا ولا جرى لها ذكر في نفس الآية ، وادعاء أن المراد شراء الهدي بها يعيد من ظاهر الآية ، فاتضح أن المراد مثل من النعم ، وقوله لو كان الشبه الخلقي معتبرا لما أوقفه على عدلين ؟ أجيب عنه بأن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من كبر وصغر ، وما لا جنس له مما له جنس ، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص ، قاله القرطبي .